تفسير ابن كثير

هذه الآية الكريمة هي آية تحريم المحارم من النسب ، وما يتبعه من الرضاع والمحارم بالصهر ، كما قال ابن أبي حاتم :

حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان بن حبيب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : حرمت عليكم سبع نسبا ، وسبع صهرا ، وقرأ : ( حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم ) الآية .

وحدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد ، حدثنا أبو أحمد ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن إسماعيل بن رجاء عن عمير مولى ابن عباس ، عن ابن عباس قال : يحرم من النسب سبع ومن الصهر سبع ، ثم قرأ : ( حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت ) فهن النسب .

وقد استدل جمهور العلماء على تحريم المخلوقة من ماء الزاني عليه بعموم قوله تعالى : ( وبناتكم ) ; فإنها بنت فتدخل في العموم ، كما هو مذهب أبي حنيفة ، ومالك ، وأحمد بن حنبل . وقد حكي عن الشافعي شيء في إباحتها; لأنها ليست بنتا شرعية ، فكما لم تدخل في قوله تعالى : ( يوصيكم الله في أولادكم ) فإنها لا ترث بالإجماع ، فكذلك لا تدخل في هذه الآية . والله أعلم .

وقوله : ( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ) أي كما تحرم عليك أمك التي ولدتك ، كذلك يحرم عليك أمك التي أرضعتك; ولهذا روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث مالك بن أنس ، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن عمرة بنت عبد الرحمن ، عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة " ، وفي لفظ لمسلم : " يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب " .

وقد قال بعض الفقهاء : كما يحرم بالنسب يحرم بالرضاع إلا في أربع صور . وقال بعضهم : ست صور ، هي مذكورة في كتب الفروع . والتحقيق أنه لا يستثنى شيء من ذلك; لأنه يوجد مثل بعضها في النسب ، وبعضها إنما يحرم من جهة الصهر ، فلا يرد على الحديث شيء أصلا البتة ، ولله الحمد .

ثم اختلف الأئمة في عدد الرضعات المحرمة ، فذهب ذاهبون إلى أنه يحرم مجرد الرضاع لعموم هذه الآية . وهذا قول مالك ، ويحكى عن ابن عمر ، وإليه ذهب سعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، والزهري .

وقال آخرون : لا يحرم أقل من ثلاث رضعات لما ثبت في صحيح مسلم ، من طريق هشام بن عروة عن أبيه ، عن عائشة ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تحرم المصة والمصتان " .

وقال قتادة ، عن أبي الخليل ، عن عبد الله بن الحارث ، عن أم الفضل قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان ، والمصة ولا المصتان " ، وفي لفظ آخر : " لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان " رواه مسلم .

وممن ذهب إلى هذا القول الإمام أحمد بن حنبل ، وإسحاق ابن راهويه ، وأبو عبيد ، وأبو ثور . ويحكى عن علي ، وعائشة ، وأم الفضل ، وابن الزبير ، وسليمان بن يسار ، وسعيد بن جبير ، رحمهم الله .

وقال آخرون : لا يحرم أقل من خمس رضعات ، لما ثبت في صحيح مسلم من طريق مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عمرة عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : كان فيما أنزل [ الله ] من القرآن : عشر رضعات معلومات يحرمن . ثم نسخن بخمس معلومات ، فتوفي رسول الله صلى لله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن .

وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة نحو ذلك .

وفي حديث سهلة بنت سهيل : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن ترضع مولى أبي حذيفة خمس رضعات وكانت عائشة تأمر من يريد أن يدخل عليها أن يرضع خمس رضعات . وبهذا قال الشافعي ، رحمه الله [ تعالى ] وأصحابه . ثم ليعلم أنه لا بد أن تكون الرضاعة في سن الصغر دون الحولين على قول الجمهور . وكما قدمنا الكلام على هذه المسألة في سورة البقرة ، عند قوله : ( يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ) [ الآية : 233 ] .

واختلفوا : هل يحرم لبن الفحل ، كما هو قول جمهور الأئمة الأربعة وغيرهم ؟ وإنما يختص الرضاع بالأم فقط ، ولا ينتشر إلى ناحية الأب كما هو لبعض السلف ؟ على قولين ، تحرير هذا كله في كتاب " الأحكام الكبير " .

وقوله : ( وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ) أما أم المرأة فإنها تحرم بمجرد العقد على ابنتها ، سواء دخل بها أو لم يدخل . وأما الربيبة وهي بنت المرأة فلا تحرم بمجرد العقد على أمها حتى يدخل بها ، فإن طلق الأم قبل الدخول بها جاز له أن يتزوج بنتها ، ولهذا قال : ( وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ) [ أي ] في تزويجهن ، فهذا خاص بالربائب وحدهن .

وقد فهم بعضهم عود الضمير إلى الأمهات [ و ] الربائب فقال : لا تحرم واحدة من الأم ولا البنت بمجرد العقد على الأخرى حتى يدخل بها; لقوله : ( فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم )

وقال ابن جرير : حدثنا ابن بشار ، حدثنا ابن أبي عدي وعبد الأعلى ، عن سعيد عن قتادة ، عن خلاس بن عمرو ، عن علي ، رضي الله عنه ، في رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها ، أيتزوج أمها ؟ قال : هي بمنزلة الربيبة .

وحدثنا ابن بشار حدثنا يحيى بن سعيد ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، عن زيد بن ثابت قال : إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها فلا بأس أن يتزوج أمها .

وفي رواية عن قتادة ، عن سعيد ، عن زيد بن ثابت ; أنه كان يقول : إذا ماتت عنده وأخذ ميراثها كره أن يخلف على أمها ، فإذا طلقها قبل أن يدخل بها فإن شاء فعل .

وقال ابن المنذر : حدثنا إسحاق ، عن عبد الرزاق ، عن ابن جريج قال : أخبرني أبو بكر بن حفص ، عن مسلم بن عويمر الأجدع أن بكر بن كنانة أخبره أن أباه أنكحه امرأة بالطائف قال : فلم أجامعها حتى توفي عمي عن أمها ، وأمها ذات مال كثير ، فقال أبي : هل لك في أمها ؟ قال : فسألت ابن عباس وأخبرته الخبر فقال : انكح أمها . قال : فسألت ابن عمر فقال : لا تنكحها . فأخبرت أبي ما قال ابن عباس وما قال ابن عمر ، فكتب إلى معاوية وأخبره في كتابه بما قال ابن عمر وابن عباس فكتب معاوية : إني لا أحل ما حرم الله ، ولا أحرم ما أحل [ الله ] وأنت وذاك والنساء سواها كثير . فلم ينه ولم يأذن لي ، فانصرف أبي عن أمها فلم ينكحها .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن سماك بن الفضل ، عن رجل ، عن عبد الله بن الزبير قال : الربيبة والأم سواء ، لا بأس بها إذا لم يدخل بالمرأة . وفي إسناده رجل مبهم لم يسم .

وقال ابن جريج أخبرني عكرمة بن خالد أن مجاهدا قال له : ( وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم ) أراد بهما الدخول جميعا فهذا القول مروي كما ترى عن علي ، وزيد بن ثابت ، وعبد الله بن الزبير ، ومجاهد ، وابن جبير وابن عباس ، وقد توقف فيه معاوية ، وذهب إليه من الشافعية أبو الحسن أحمد بن محمد بن الصابوني ، فيما نقله الرافعي عن العبادي . [ وقد خالفه جمهور العلماء من السلف والخلف ، فرأوا أن الربيبة لا تحرم بمجرد العقد على الأم ، وأنها لا تحرم إلا بالدخول بالأم ، بخلاف الأم فإنها تحرم بمجرد العقد على الربيبة ] .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا جعفر بن محمد بن هارون بن عزرة حدثنا عبد الوهاب ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : أنه كان يقول إذا طلق الرجل امرأة قبل أن يدخل بها أو ماتت لم تحل له أمها ، أنه قال : إنها مبهمة ، فكرهها .

ثم قال : وروي عن ابن مسعود ، وعمران بن حصين ، ومسروق ، وطاوس ، وعكرمة ، وعطاء ، والحسن ، ومكحول ، وابن سيرين ، وقتادة ، والزهري نحو ذلك . وهذا مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة ، وجمهور الفقهاء قديما وحديثا ، ولله الحمد والمنة .

قال ابن جرير : والصواب ، أعني قول من قال : " الأم من المبهمات " ; لأن الله لم يشرط معهن الدخول كما شرط ذلك مع أمهات الربائب ، مع أن ذلك أيضا إجماع من الحجة التي لا يجوز خلافها فيما جاءت به متفقة عليه . وقد روي بذلك أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر ، غير أن في إسناده نظرا ، وهو ما حدثني به المثنى ، حدثنا حبان بن موسى ، حدثنا ابن المبارك ، أخبرنا المثنى بن الصباح ، عن عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها ، دخل بالبنت أو لم يدخل ، وإذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها ، فإن شاء تزوج الابنة .

ثم قال : وهذا الخبر ، وإن كان في إسناده ما فيه ، فإن في إجماع الحجة على صحة القول به مستغنى عن الاستشهاد على صحته بغيره .

وأما قوله : ( وربائبكم اللاتي في حجوركم ) فجمهور الأئمة على أن الربيبة حرام سواء كانت في حجر الرجل أو لم تكن في حجره ، قالوا : وهذا الخطاب خرج مخرج الغالب ، فلا مفهوم له كقوله تعالى : ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا ) [ النور : 33 ]

وفي الصحيحين أن أم حبيبة قالت : يا رسول الله ، انكح أختي بنت أبي سفيان - وفي لفظ لمسلم : عزة بنت أبي سفيان - قال : " أو تحبين ذلك ؟ " قالت : نعم ، لست لك بمخلية ، وأحب من شاركني في خير أختي . قال : " فإن ذلك لا يحل لي " . قالت : فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة . قال بنت أم سلمة ؟ " قالت نعم . قال : إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي ، إنها لبنت أخي من الرضاعة ، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن " . وفي رواية للبخاري : " إني لو لم أتزوج أم سلمة ما حلت لي " .

فجعل المناط في التحريم مجرد تزويجه أم سلمة وحكم بالتحريم لذلك ، وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة وجمهور الخلف والسلف . وقد قيل بأنه لا تحرم الربيبة إلا إذا كانت في حجر الرجل ، فإذا لم يكن كذلك فلا تحرم .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا إبراهيم بن موسى ، أنبأنا هشام - يعني ابن يوسف - عن ابن جريج ، حدثني إبراهيم بن عبيد بن رفاعة ، أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان قال : كانت عندي امرأة فتوفيت ، وقد ولدت لي ، فوجدت عليها ، فلقيني علي بن أبي طالب فقال : مالك ؟ فقلت : توفيت المرأة . فقال علي : لها ابنة ؟ قلت : نعم ، وهي بالطائف . قال : كانت في حجرك ؟ قلت : لا هي بالطائف قال : فانكحها . قلت : فأين قول الله [ عز وجل ] ( وربائبكم اللاتي في حجوركم ) قال : إنها لم تكن في حجرك ، إنما ذلك إذا كانت في حجرك .

هذا إسناد قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب ، على شرط مسلم ، وهو قول غريب جدا ، وإلى هذا ذهب داود بن علي الظاهري وأصحابه . وحكاه أبو القاسم الرافعي عن مالك ، رحمه الله ، واختاره ابن حزم ، وحكى لي شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي أنه عرض هذا على الشيخ الإمام تقي الدين ابن تيمية ، رحمه الله ، فاستشكله ، وتوقف في ذلك ، والله أعلم .

وقال ابن المنذر : حدثنا علي بن عبد العزيز ، حدثنا الأثرم ، عن أبي عبيدة قوله : ( اللاتي في حجوركم ) قال : في بيوتكم .

وأما الربيبة في ملك اليمين فقد قال الإمام مالك بن أنس ، عن ابن شهاب : أن عمر بن الخطاب سئل عن المرأة وبنتها من ملك اليمين توطأ إحداهما بعد الأخرى ؟ فقال عمر : ما أحب أن أخبرهما جميعا . يريد أن أطأهما جميعا بملك يميني . وهذا منقطع .

وقال سنيد بن داود في تفسيره : حدثنا أبو الأحوص ، عن طارق بن عبد الرحمن عن قيس قال : قلت لابن عباس : أيقع الرجل على امرأة وابنتها مملوكين له ؟ فقال : أحلتهما آية وحرمتهما آية ، ولم أكن لأفعله .

قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر ، رحمه الله : لا خلاف بين العلماء أنه لا يحل لأحد أن يطأ امرأة وابنتها من ملك اليمين ، لأن الله حرم ذلك في النكاح ، قال : ( وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم ) وملك اليمين هم تبع للنكاح ، إلا ما روي عن عمر وابن عباس ، وليس على ذلك أحد من أئمة الفتوى ولا من تبعهم . وروى هشام عن قتادة : بنت الربيبة وبنت ابنتها لا تصلح وإن كانت أسفل ببطون كثيرة . وكذا قال قتادة عن أبي العالية .

ومعنى قوله تعالى : ( اللاتي دخلتم بهن ) أي : نكحتموهن . قاله ابن عباس وغير واحد .

وقال ابن جريج عن عطاء : هو أن تهدى إليه فيكشف ويفتش ويجلس بين رجليها . قلت : أرأيت إن فعل ذلك في بيت أهلها . قال : هو سواء ، وحسبه قد حرم ذلك عليه ابنتها .

وقال ابن جرير : وفي إجماع الجميع على أن خلوة الرجل بامرأته لا يحرم ابنتها عليه إذا طلقها قبل مسيسها ومباشرتها أو قبل النظر إلى فرجها بشهوة ، ما يدل على أن معنى ذلك هو الوصول إليها بالجماع .

وقوله : ( وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ) أي : وحرمت عليكم زوجات أبنائكم الذين ولدتموهم من أصلابكم ، يحترز بذلك عن الأدعياء الذين كانوا يتبنونهم في الجاهلية ، كما قال تعالى : ( فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم [ إذا قضوا منهن وطرا ] ) الآية [ الأحزاب : 37 ] .

وقال ابن جريج : سألت عطاء عن قوله : ( وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ) قال : كنا نحدث ، والله أعلم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نكح امرأة زيد ، قال المشركون بمكة في ذلك ، فأنزل الله [ عز وجل ] ( وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ) ونزلت : ( وما جعل أدعياءكم أبناءكم ) [ الأحزاب : 4 ] . ونزلت : ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ) [ الأحزاب : 40 ] .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ، حدثنا الجرح بن الحارث ، عن الأشعث ، عن الحسن بن محمد أن هؤلاء الآيات مبهمات : ( وحلائل أبنائكم ) ( أمهات نسائكم ) ثم قال : وروي عن طاوس وإبراهيم والزهري ومكحول نحو ذلك .

قلت : معنى مبهمات : أي عامة في المدخول بها وغير المدخول ، فتحرم بمجرد العقد عليها ، وهذا متفق عليه . فإن قيل : فمن أين تحرم امرأة ابنه من الرضاعة ، كما هو قول الجمهور ، ومن الناس من يحكيه إجماعا وليس من صلبه ؟ فالجواب من قوله صلى الله عليه وسلم : " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " .

وقوله : ( وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف [ إن الله كان غفورا رحيما ] ) أي : وحرم عليكم الجمع بين الأختين معا في التزويج ، وكذا في ملك اليمين إلا ما كان منكم في جاهليتكم فقد عفونا عن ذلك وغفرناه . فدل على أنه لا مثنوية فيما يستقبل ولا استثناء فيما سلف ، كما قال : ( لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ) [ الدخان : 56 ] فدل على أنهم لا يذوقون فيها الموت أبدا . وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة قديما وحديثا على أنه يحرم الجمع بين الأختين في النكاح ، ومن أسلم وتحته أختان خير ، فيمسك إحداهما ويطلق الأخرى لا محالة .

قال الإمام أحمد بن حنبل : حدثنا موسى بن داود حدثنا ابن لهيعة عن أبي وهب الجيشاني عن الضحاك بن فيروز ، عن أبيه قال : أسلمت وعندي امرأتان أختان ، فأمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أطلق إحداهما .

ثم رواه الإمام أحمد ، والترمذي ، وابن ماجه ، من حديث ابن لهيعة . وأخرجه أبو داود والترمذي أيضا من حديث يزيد بن أبي حبيب ، كلاهما عن أبي وهب الجيشاني . قال الترمذي : واسمه ديلم بن الهوشع ، عن الضحاك بن فيروز الديلمي ، عن أبيه ، به وفي لفظ للترمذي : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اختر أيتهما شئت " . ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن .

وقد رواه ابن ماجه أيضا بإسناد آخر فقال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا عبد السلام بن حرب ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة ، عن أبي وهب الجيشاني عن أبي خراش الرعيني قال : قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي أختان تزوجتهما في الجاهلية ، فقال : " إذا رجعت فطلق إحداهما " .

قلت : فيحتمل أن أبا خراش هذا هو الضحاك بن فيروز ، ويحتمل أن يكون غيره ، فيكون أبو وهب قد رواه عن اثنين ، عن فيروز الديلمي ، والله أعلم .

وقال ابن مردويه : حدثنا عبد الله بن يحيى بن محمد بن يحيى ، حدثنا أحمد بن يحيى الخولاني حدثنا هيثم بن خارجة ، حدثنا يحيى بن إسحاق ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن رزيق بن حكيم ، عن كثير بن مرة ، عن الديلمي قال : قلت : يا رسول الله ، إن تحتي أختين ؟ قال : " طلق أيهما شئت " .

فالديلمي المذكور أولا هو الضحاك بن فيروز الديلمي [ رضي الله عنه ] قال أبو زرعة الدمشقي : كان يصحب عبد الملك بن مروان ، والثاني هو أبو فيروز الديلمي ، رضي الله عنه ، وكان من جملة الأمراء باليمن الذين ولوا قتل الأسود العنسي المتنبئ لعنه الله .

وأما الجمع بين الأختين في ملك اليمين فحرام أيضا لعموم الآية ، وقال ابن أبي حاتم :

حدثنا أبو زرعة ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن عبد الله بن أبي عنبة - أو عتبة عن ابن مسعود : أنه سئل عن الرجل يجمع بين الأختين ، فكرهه ، فقال له - يعني السائل - : يقول الله عز وجل : ( إلا ما ملكت أيمانكم ) فقال له ابن مسعود : وبعيرك مما ملكت يمينك .

وهذا هو المشهور عن الجمهور والأئمة الأربعة وغيرهم ، وإن كان بعض السلف قد توقف في ذلك . قال الإمام مالك ، عن ابن شهاب ، عن قبيصة بن ذؤيب : أن رجلا سأل عثمان بن عفان عن الأختين في ملك اليمين ، هل يجمع بينهما ؟ فقال عثمان : أحلتهما آية وحرمتهما آية ، وما كنت لأصنع ذلك ، فخرج من عنده فلقي رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فسأله عن ذلك فقال : لو كان لي من الأمر شيء ثم وجدت أحدا فعل ذلك لجعلته نكالا . قال مالك : قال ابن شهاب : أراه علي بن أبي طالب : قال : وبلغني عن الزبير بن العوام مثل ذلك .

قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري ، رحمه الله ، في كتابه " الاستذكار " : إنما كنى قبيصة بن ذؤيب عن علي بن أبي طالب ، لصحبته عبد الملك بن مروان ، وكانوا يستثقلون ذكر علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه .

ثم قال أبو عمر ، رحمه الله : حدثني خلف بن أحمد ، رحمه الله ، قراءة عليه : أن خلف بن مطرف حدثهم : حدثنا أيوب بن سليمان وسعيد بن سليمان ومحمد بن عمر بن لبابة قالوا : حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن إبراهيم ، حدثنا أبو عبد الرحمن المقري عن موسى بن أيوب الغافقي ، حدثني عمي إياس بن عامر قال : سألت علي بن أبي طالب [ رضي الله عنه ] فقلت : إن لي أختين مما ملكت يميني ، اتخذت إحداهما سرية فولدت لي أولادا ، ثم رغبت في الأخرى ، فما أصنع ؟ فقال علي ، رضي الله عنه : تعتق التي كنت تطأ ثم تطأ الأخرى . قلت : فإن ناسا يقولون : بل تزوجها ثم تطأ الأخرى . فقال علي : أرأيت إن طلقها زوجها أو مات عنها أليس ترجع إليك ؟ لأن تعتقها أسلم لك . ثم أخذ علي بيدي فقال لي : إنه يحرم عليك ما ملكت يمينك ما يحرم عليك في كتاب الله عز وجل من الحرائر إلا العدد - أو قال : إلا الأربع - ويحرم عليك من الرضاع ما يحرم عليك في كتاب الله من النسب .

ثم قال أبو عمر : هذا الحديث رحلة لو لم يصب الرجل من أقصى المشرق أو المغرب إلى مكة غيره لما خابت رحلته .

قلت : وقد روي عن علي نحو ما تقدم عن عثمان ، وقال أبو بكر بن مردويه :

حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ، حدثنا محمد بن العباس ، حدثني محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي حدثنا عبد الرحمن بن غزوان ، حدثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال لي علي بن أبي طالب : حرمتهما آية وأحلتهما آية - يعني الأختين - قال ابن عباس : يحرمهن علي قرابتي منهن ، ولا يحرمهن على قرابة بعضهن من بعض - يعني الإماء - وكانت الجاهلية يحرمون ما تحرمون إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين ، فلما جاء الإسلام أنزل الله [ عز وجل ] ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف ) ( وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف ) يعني : في النكاح .

ثم قال أبو عمر : روى الإمام أحمد بن حنبل : حدثنا محمد بن سلمة ، عن هشام ، عن ابن سيرين ، عن ابن مسعود قال : يحرم من الإماء ما يحرم من الحرائر إلا العدد . وعن ابن سيرين والشعبي مثل ذلك .

قال أبو عمر ، رحمه الله : وقد روي مثل قول عثمان عن طائفة من السلف ، منهم : ابن عباس ، ولكنهم اختلف عليهم ، ولم يلتفت إلى ذلك أحد من فقهاء الأمصار والحجاز ولا بالعراق ولا ما وراءهما من المشرق ولا بالشام ولا المغرب ، إلا من شذ عن جماعتهم باتباع الظاهر ونفي القياس ، وقد ترك من يعمل ذلك ما اجتمعنا عليه ، وجماعة الفقهاء متفقون على أنه لا يحل الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء ، كما لا يحل ذلك في النكاح . وقد أجمع المسلمون على أن معنى قوله [ تعالى ] ( حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم [ وعماتكم وخالاتكم ] ) إلى آخر الآية : أن النكاح وملك اليمين في هؤلاء كلهن سواء ، فكذلك يجب أن يكون نظرا وقياسا الجمع بين الأختين وأمهات النساء والربائب . وكذلك هو عند جمهورهم ، وهم الحجة المحجوج بها من خالفها وشذ عنها ، والله المحمود .

تفسير السعدي

هذه الآيات الكريمات مشتملات على المحرمات بالنسب، والمحرمات بالرضاع، والمحرمات بالصهر، والمحرمات بالجمع، وعلى المحللات من النساء. فأما المحرمات في النسب فهن السبع اللاتي ذكرهن الله. الأم يدخل فيها كل من لها عليك ولادة، وإن بعدت، ويدخل في البنت كل من لك عليها ولادة، والأخوات الشقيقات، أو لأب أو لأم. والعمة: كل أخت لأبيك أو لجدك وإن علا. والخالة: كل أخت لأمك، أو جدتك وإن علت وارثة أم لا. وبنات الأخ وبنات الأخت أي: وإن نزلت. فهؤلاء هن المحرمات من النسب بإجماع العلماء كما هو نص الآية الكريمة وما عداهن فيدخل في قوله: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } وذلك كبنت العمة والعم وبنت الخال والخالة. وأما المحرمات بالرضاع فقد ذكر الله منهن الأم والأخت. وفي ذلك تحريم الأم مع أن اللبن ليس لها، إنما هو لصاحب اللبن، دل بتنبيهه على أن صاحب اللبن يكون أبا للمرتضع فإذا ثبتت الأبوة والأمومة ثبت ما هو فرع عنهما كإخوتهما وأصولهم وفروعهم وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" فينتشر التحريم من جهة المرضعة ومن له اللبن كما ينتشر في الأقارب، وفي الطفل المرتضع إلى ذريته فقط. لكن بشرط أن يكون الرضاع خمس رضعات في الحولين كما بينت السنة. وأما المحرمات بالصهر فهن أربع. حلائل الآباء وإن علوا، وحلائل الأبناء وإن نزلوا، وارثين أو محجوبين. وأمهات الزوجة وإن علون، فهؤلاء الثلاث يحرمن بمجرد العقد. والرابعة: الربيبة وهي بنت زوجته وإن نزلت، فهذه لا تحرم حتى يدخل بزوجته كما قال هنا { وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } الآية. وقد قال الجمهور: إن قوله: { اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ } قيد خرج مخرج الغالب لا مفهوم له، فإن الربيبة تحرم ولو لم تكن في حجره ولكن للتقييد بذلك فائدتان: إحداهما: فيه التنبيه على الحكمة في تحريم الربيبة وأنها كانت بمنزلة البنت فمن المستقبح إباحتها. والثانية: فيه دلالة على جواز الخلوة بالربيبة وأنها بمنزلة من هي في حجره من بناته ونحوهن. والله أعلم. وأما المحرمات بالجمع فقد ذكر الله الجمع بين الأختين وحرمه وحرم النبي صلى الله عليه وسلم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، فكل امرأتين بينهما رحم محرم لو قدر إحداهما ذكرًا والأخرى أنثى حرمت عليه فإنه يحرم الجمع بينهما، وذلك لما في ذلك من أسباب التقاطع بين الأرحام.

تفسير القرطبي

قوله تعالى : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما

فيه إحدى وعشرون مسألة :

الأولى : قوله تعالى : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم أي نكاح أمهاتكم ونكاح بناتكم ؛ فذكر الله تعالى في هذه الآية ما يحل من النساء وما يحرم ، كما ذكر تحريم حليلة الأب . فحرم الله سبعا من النسب وستا من رضاع وصهر ، وألحقت السنة المتواترة سابعة ؛ وذلك الجمع بين المرأة وعمتها ، ونص عليه الإجماع . وثبتت الرواية عن ابن عباس قال : حرم من النسب سبع ومن الصهر سبع ، وتلا هذه الآية . وقال عمرو بن سالم مولى الأنصار مثل ذلك ، وقال : السابعة قوله تعالى : والمحصنات . فالسبع المحرمات من النسب : الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات ، وبنات الأخ وبنات الأخت . والسبع المحرمات بالصهر والرضاع : الأمهات من الرضاعة والأخوات من الرضاعة ، وأمهات النساء والربائب وحلائل الأبناء والجمع بين الأختين ، والسابعة ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم . قال الطحاوي : وكل هذا من المحكم المتفق عليه ، وغير جائز نكاح واحدة منهن بإجماع إلا أمهات النساء اللواتي لم يدخل بهن أزواجهن ؛ فإن جمهور السلف ذهبوا إلى أن الأم تحرم بالعقد على الابنة ، ولا تحرم الابنة إلا بالدخول بالأم ؛ وبهذا قول جميع أئمة الفتوى بالأمصار . وقالت طائفة من السلف : الأم والربيبة سواء ، لا تحرم منهما واحدة إلا بالدخول بالأخرى .

قالوا : ومعنى قوله : وأمهات نسائكم أي اللاتي دخلتم بهن . وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن . وزعموا أن شرط الدخول راجع إلى الأمهات والربائب جميعا ؛ رواه خلاس عن علي بن أبي طالب . وروي عن ابن عباس وجابر وزيد بن ثابت ، وهو قول ابن الزبير ومجاهد . قال مجاهد : الدخول مراد في النازلتين ؛ وقول الجمهور مخالف لهذا وعليه الحكم والفتيا ، وقد شدد أهل العراق فيه حتى قالوا : لو وطئها بزنى أو قبلها أو لمسها بشهوة حرمت عليه ابنتها . وعندنا وعند الشافعي إنما تحرم بالنكاح الصحيح ؛ والحرام لا يحرم الحلال على ما يأتي . وحديث خلاس عن علي لا تقوم به حجة ، ولا تصح روايته عند أهل العلم بالحديث ، والصحيح عنه مثل قول الجماعة . قال ابن جريج : قلت لعطاء الرجل ينكح المرأة ثم لا يراها ولا يجامعها حتى يطلقها أوتحل له أمها ؟ قال : لا ، هي مرسلة دخل بها أو لم يدخل . فقلت له : أكان ابن عباس يقرأ : وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن ؟ قال : لا ، لا . وروى سعيد عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى : وأمهات نسائكم قال : هي مبهمة لا تحل بالعقد على الابنة ؛ وكذلك روى مالك في موطئه عن زيد بن ثابت ، وفيه : " فقال زيد لا ، الأم مبهمة ليس فيها شرط وإنما الشرط في الربائب " . قال ابن المنذر : وهذا هو الصحيح ؛ لدخول جميع أمهات النساء في قوله تعالى : وأمهات نسائكم . ويؤيد هذا القول من جهة الإعراب أن الخبرين إذا اختلفا في العامل لم يكن نعتهما واحدا ؛ فلا يجوز عند النحويين مررت بنسائك وهربت من نساء زيد الظريفات ، على أن تكون " الظريفات " نعتا لنسائك ونساء زيد ؛ فكذلك الآية لا يجوز أن يكون اللاتي من نعتهما جميعا ؛ لأن الخبرين مختلفان ، ولكنه يجوز على معنى أعني . وأنشد الخليل وسيبويه :

إن بها أكتل أو رزاما خويربين ينقفان الهاما

خويربين يعني لصين ، بمعنى أعني . وينقفان : يكسران ؛ نقفت رأسه كسرته . وقد جاء صريحا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم : إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالبنت أو لم يدخل وإذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج البنت أخرجه في الصحيحين

الثانية : وإذا تقرر هذا وثبت فاعلم أن التحريم ليس صفة للأعيان ، والأعيان ليست موردا للتحليل والتحريم ولا مصدرا ، وإنما يتعلق التكليف بالأمر والنهي بأفعال المكلفين من حركة وسكون ؛ لكن الأعيان لما كانت موردا للأفعال أضيف الأمر والنهي والحكم إليها وعلق بها مجازا على معنى الكناية بالمحل عن الفعل الذي يحل به .

الثالثة : قوله تعالى : أمهاتكم تحريم الأمهات عام في كل حال لا يتخصص بوجه من الوجوه ؛ ولهذا يسميه أهل العلم المبهم ، أي لا باب فيه ولا طريق إليه لانسداد التحريم وقوته ؛ وكذلك تحريم البنات والأخوات ومن ذكر من المحرمات . والأمهات جمع أمهة ؛ يقال : أم وأمهة بمعنى واحد ، وجاء القرآن بهما . وقد تقدم في الفاتحة بيانه . وقيل : إن أصل أم أمهة على وزن فعلة مثل قبرة وحمرة لطيرين ، فسقطت وعادت في الجمع . قال الشاعر :

أمهتي خندف والدوس أبي

وقيل : أصل الأم أمة ، وأنشدوا :

تقبلتها عن أمة لك طالما تثوب إليها في النوائب أجمعا

ويكون جمعها أمات . قال الراعي :

كانت نجائب منذر ومحرق أماتهن وطرقهن فحيلا

فالأم اسم لكل أنثى لها عليك ولادة ؛ فيدخل في ذلك الأم دنية ، وأمهاتها وجداتها وأم الأب وجداته وإن علون . والبنت اسم لكل أنثى لك عليها ولادة ، وإن شئت قلت : كل أنثى يرجع نسبها إليك بالولادة بدرجة أو درجات ؛ فيدخل في ذلك بنت الصلب وبناتها وبنات الأبناء وإن نزلن . والأخت اسم لكل أنثى جاورتك في أصليك أو في أحدهما والبنات جمع بنت ، والأصل بنية ، والمستعمل ابنة وبنت . قال الفراء : كسرت الباء من بنت لتدل الكسرة على الياء ، وضمت الألف من أخت لتدل على حذف الواو ، فإن أصل أخت أخوة ، والجمع أخوات . والعمة اسم لكل أنثى شاركت أباك أو جدك في أصليه أو في أحدهما . وإن شئت قلت : كل ذكر رجع نسبه إليك فأخته عمتك . وقد تكون العمة من جهة الأم ، وهي أخت أب أمك . والخالة اسم لكل أنثى شاركت أمك في أصليها أو في أحدهما . وإن شئت قلت : كل أنثى رجع نسبها إليك بالولادة فأختها خالتك . وقد تكون الخالة من جهة الأب وهي أخت أم أبيك . وبنت الأخ اسم لكل أنثى لأخيك عليها ولادة بواسطة أو مباشرة ؛ وكذلك بنت الأخت . فهذه السبع المحرمات من النسب . وقرأ نافع - في رواية أبي بكر بن أبي أويس - بتشديد الخاء من الأخ إذا كانت فيه الألف واللام مع نقل الحركة .

الرابعة : قوله تعالى : وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وهي في التحريم مثل من ذكرنا ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب . وقرأ عبد الله " وأمهاتكم اللائي " بغير تاء ؛ كقوله تعالى : واللائي يئسن من المحيض قال الشاعر :

من اللاء لم يحججن يبغين حسبة ولكن ليقتلن البريء المغفلا

" أرضعنكم " : فإذا أرضعت المرأة طفلا حرمت عليه لأنها أمه ، وبنتها لأنها أخته ، وأختها لأنها خالته ، وأمها لأنها جدته ، وبنت زوجها صاحب اللبن لأنها أخته ، وأخته لأنها عمته ، وأمه لأنها جدته ، وبنات بنيها وبناتها لأنهن بنات إخوته وأخواته .

الخامسة : قال أبو نعيم عبيد الله بن هشام الحلبي : سئل مالك عن المرأة أيحج معها أخوها من الرضاعة ؟ قال : نعم . قال أبو نعيم : وسئل مالك عن امرأة تزوجت فدخل بها زوجها . ثم جاءت امرأة فزعمت أنها أرضعتهما ؛ قال : يفرق بينهما ، وما أخذت من شيء له فهو لها ، وما بقي عليه فلا شيء عليه . ثم قال مالك : إن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن مثل هذا فأمر بذلك ؛ فقالوا : يا رسول الله ، إنها امرأة ضعيفة ؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أليس يقال إن فلانا تزوج أخته ؟

السادسة : التحريم بالرضاع إنما يحصل إذا اتفق الإرضاع في الحولين ؛ كما تقدم في " البقرة " . ولا فرق بين قليل الرضاع وكثيره عندنا إذا وصل إلى الأمعاء ولو مصة واحدة . واعتبر الشافعي في الإرضاع شرطين : أحدهما خمس رضعات ؛ لحديث عائشة قالت : كان فيما أنزل الله عشر رضعات معلومات يحرمن ، ثم نسخن بخمس معلومات ، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن مما يقرأ من القرآن . موضع الدليل منه أنها أثبتت أن العشر نسخن بخمس ، فلو تعلق التحريم بما دون الخمس لكان ذلك نسخا للخمس . ولا يقبل على هذا خبر واحد ولا قياس ؛ لأنه لا ينسخ بهما . وفي حديث سهلة أرضعيه خمس رضعات يحرم بهن . الشرط الثاني : أن يكون في الحولين ، فإن كان خارجا عنهما لم يحرم ؛ لقوله تعالى : حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة . وليس بعد التمام والكمال شيء . واعتبر أبو حنيفة بعد الحولين ستة أشهر . ومالك الشهر ونحوه . وقال زفر : ما دام يجتزئ باللبن ولم يفطم فهو رضاع وإن أتى عليه ثلاث سنين . وقال الأوزاعي : إذا فطم لسنة واستمر فطامه فليس بعده رضاع . وانفرد الليث بن سعد من بين العلماء إلى أن رضاع الكبير يوجب التحريم ؛ وهو قول عائشة رضي الله عنها ؛ وروي عن أبي موسى الأشعري ، وروي عنه ما يدل على رجوعه عن ذلك ، وهو ما رواه أبو حصين عن أبي عطية قال : قدم رجل بامرأته من المدينة فوضعت وتورم ثديها ، فجعل يمصه ويمجه فدخل في بطنه جرعة منه ؛ فسأل أبا موسى فقال : بانت منك ، وائت ابن مسعود فأخبره ، ففعل ؛ فأقبل بالأعرابي إلى أبي موسى الأشعري وقال : أرضيعا ترى هذا الأشمط ! إنما يحرم من الرضاع ما ينبت اللحم والعظم . فقال الأشعري : لا تسألوني عن شيء وهذا الحبر بين أظهركم . فقوله : " لا تسألوني " يدل على أنه رجع عن ذلك . واحتجت عائشة بقصة سالم مولى أبي حذيفة وأنه كان رجلا . فقال النبي صلى الله عليه وسلم لسهلة بنت سهيل : أرضعيه خرجه الموطأ وغيره . وشذت طائفة فاعتبرت عشر رضعات ؛ تمسكا بأنه كان فيما أنزل : عشر رضعات . وكأنهم لم يبلغهم الناسخ . وقال داود : لا يحرم إلا بثلاث رضعات ؛ واحتج بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحرم الإملاجة والإملاجتان . خرجه مسلم . وهو مروي عن عائشة وابن الزبير ، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد ، وهو تمسك بدليل الخطاب ، وهو مختلف فيه . وذهب من عدا هؤلاء من أئمة الفتوى إلى أن الرضعة الواحدة تحرم إذا تحققت كما ذكرنا ؛ متمسكين بأقل ما ينطلق عليه اسم الرضاع . وعضد هذا بما وجد من العمل عليه بالمدينة وبالقياس على الصهر ؛ بعلة أنه معنى طارئ يقتضي تأبيد التحريم فلا يشترط فيه العدد كالصهر . وقال الليث بن سعد : وأجمع المسلمون على أن قليل الرضاع وكثيره يحرم في المهد ما يفطر الصائم . قال أبو عمر . لم يقف الليث على الخلاف في ذلك .

قلت : وأنص ما في هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم : لا تحرم المصة ولا المصتان أخرجه مسلم في صحيحه . وهو يفسر معنى قوله تعالى : وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم أي أرضعنكم ثلاث رضعات فأكثر ؛ غير أنه يمكن أن يحمل على ما إذا لم يتحقق وصوله إلى جوف الرضيع ؛ لقوله : " عشر رضعات معلومات . وخمس رضعات معلومات " . فوصفها بالمعلومات إنما هو تحرز مما يتوهم أو يشك في وصوله إلى الجوف . ويفيد دليل خطابه أن الرضعات إذا كانت غير معلومات لم تحرم . والله أعلم . وذكر الطحاوي أن حديث الإملاجة والإملاجتين لا يثبت ؛ لأنه مرة يرويه ابن الزبير عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ومرة يرويه عن عائشة ، ومرة يرويه عن أبيه ؛ ومثل هذا الاضطراب يسقطه . وروي عن عائشة أنه لا يحرم إلا سبع رضعات . وروي عنها أنها أمرت أختها " أم كلثوم " أن ترضع سالم بن عبد الله عشر رضعات . وروي عن حفصة مثله ، وروي عنها ثلاث ، وروي عنها خمس ؛ كما قال الشافعي رضي الله عنه ، وحكي عن إسحاق .

السابعة : قوله تعالى : وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم استدل به من نفى لبن الفحل ، وهو سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، وقالوا : لبن الفحل لا يحرم شيئا من قبل الرجل . وقال الجمهور : قوله تعالى : وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم يدل على أن الفحل أب ؛ لأن اللبن منسوب إليه فإنه در بسبب ولده . وهذا ضعيف ؛ فإن الولد خلق من ماء الرجل والمرأة جميعا ، واللبن من المرأة ولم يخرج من الرجل ، وما كان من الرجل إلا وطء هو سبب لنزول الماء منه ، وإذا فصل الولد خلق الله اللبن من غير أن يكون مضافا إلى الرجل بوجه ما ؛ ولذلك لم يكن للرجل حق في اللبن ، وإنما اللبن لها ، فلا يمكن أخذ ذلك من القياس على الماء . وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب يقتضي التحريم من الرضاع ، ولا يظهر وجه نسبة الرضاع إلى الرجل مثل ظهور نسبة الماء إليه والرضاع منها . نعم ، الأصل فيه حديث الزهري وهشام بن عروة عن عروة عن عائشة رضي الله عنها : أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليها ، وهو عمها من الرضاعة بعد أن نزل الحجاب . قالت : فأبيت أن آذن له ؛ فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته فقال : ليلج عليك فإنه عمك تربت يمينك . وكان أبو القعيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة رضي الله عنها ؛ وهذا أيضا خبر واحد . ويحتمل أن يكون " أفلح " مع أبي بكر رضيعي لبان فلذلك قال : ليلج عليك فإنه عمك . وبالجملة فالقول فيه مشكل والعلم عند الله ، ولكن العمل عليه ، والاحتياط في التحريم أولى ، مع أن قوله تعالى : وأحل لكم ما وراء ذلكم يقوي قول المخالف .

الثامنة : قوله تعالى : وأخواتكم من الرضاعة وهي الأخت لأب وأم ، وهي التي أرضعتها أمك بلبان أبيك ؛ سواء أرضعتها معك أو ولدت قبلك أو بعدك . والأخت من الأب دون الأم ، وهي التي أرضعتها زوجة أبيك . والأخت من الأم دون الأب ، وهي التي أرضعتها أمك بلبان رجل آخر . ثم ذكر التحريم بالمصاهرة فقال تعالى : وأمهات نسائكم والصهر أربع : أم المرأة وابنتها وزوجة الأب وزوجة الابن . فأم المرأة تحرم بمجرد العقد الصحيح على ابنتها على ما تقدم

التاسعة : قوله تعالى : وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن هذا مستقل بنفسه . ولا يرجع قوله : من نسائكم اللاتي دخلتم بهن إلى الفريق الأول ، بل هو راجع إلى الربائب ، إذ هو أقرب مذكور كما تقدم . والربيبة : بنت امرأة الرجل من غيره ؛ سميت بذلك لأنه يربيها في حجره فهي مربوبة ، فعيلة بمعنى مفعولة . واتفق الفقهاء على أن الربيبة تحرم على زوج أمها إذا دخل بالأم ، وإن لم تكن الربيبة في حجره . وشذ بعض المتقدمين وأهل الظاهر فقالوا : لا تحرم عليه الربيبة إلا أن تكون في حجر المتزوج بأمها ؛ فلو كانت في بلد آخر وفارق الأم بعد الدخول فله أن يتزوج بها ؛ واحتجوا بالآية فقالوا : حرم الله تعالى الربيبة بشرطين : أحدهما : أن تكون في حجر المتزوج بأمها . والثاني : الدخول بالأم ؛ فإذا عدم أحد الشرطين لم يوجد التحريم . واحتجوا بقوله عليه السلام : لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها ابنة أخي من الرضاعة فشرط الحجر . ورووا عن علي بن أبي طالب إجازة ذلك . قال ابن المنذر والطحاوي : أما الحديث عن علي فلا يثبت ؛ لأن راويه إبراهيم بن عبيد عن مالك بن أوس عن علي ، وإبراهيم هذا لا يعرف ، وأكثر أهل العلم قد تلقوه بالدفع والخلاف . قال أبو عبيد : ويدفعه قوله : فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن فعم . ولم يقل : اللائي في حجري ، ولكنه سوى بينهن في التحريم . قال الطحاوي : وإضافتهن إلى الحجور إنما ذلك على الأغلب مما يكون عليه الربائب ؛ لا أنهن لا يحرمن إذا لم يكن كذلك .

العاشرة : قوله تعالى : فإن لم تكونوا دخلتم بهن يعني بالأمهات . فلا جناح عليكم يعني في نكاح بناتهن إذا طلقتموهن أو متن عنكم . وأجمع العلماء على أن الرجل إذا تزوج المرأة ثم طلقها أو ماتت قبل أن يدخل بها حل له نكاح ابنتها . واختلفوا في معنى الدخول بالأمهات الذي يقع به تحريم الربائب ؛ فروي عن ابن عباس أنه قال : الدخول الجماع ؛ وهو قول طاوس وعمرو بن دينار وغيرهما . واتفق مالك والثوري وأبو حنيفة والأوزاعي والليث على أنه إذا مسها بشهوة حرمت عليه أمها وابنتها وحرمت على الأب والابن ، وهو أحد قولي الشافعي . واختلفوا في النظر ؛ فقال مالك : إذا نظر إلى شعرها أو صدرها أو شيء من محاسنها للذة حرمت عليه أمها وابنتها . وقال الكوفيون : إذا نظر إلى فرجها للشهوة كان بمنزلة اللمس للشهوة . وقال الثوري : يحرم إذا نظر إلى فرجها متعمدا أو لمسها ؛ ولم يذكر الشهوة . وقال ابن أبي ليلى : لا تحرم بالنظر حتى يلمس ؛ وهو قول الشافعي . والدليل على أن بالنظر يقع التحريم أن فيه نوع استمتاع فجرى مجرى النكاح ؛ إذ الأحكام تتعلق بالمعاني لا بالألفاظ . وقد يحتمل أن يقال : إنه نوع من الاجتماع بالاستمتاع ؛ فإن النظر اجتماع ولقاء ، وفيه بين المحبين استمتاع ؛ وقد بالغ في ذلك الشعراء فقالوا :

أليس الليل يجمع أم عمرو وإيانا فذاك بنا تدان

نعم ، وترى الهلال كما أراه ويعلوها النهار كما علاني

فكيف بالنظر والمجالسة والمحادثة واللذة .

الحادية عشرة : قوله تعالى : وحلائل أبنائكم الحلائل جمع حليلة ، وهي الزوجة . سميت حليلة لأنها تحل مع الزوج حيث حل ؛ . فهي فعيلة بمعنى فاعلة . وذهب الزجاج وقوم إلى أنها من لفظة الحلال ؛ فهي حليلة بمعنى محللة . وقيل : لأن كل واحد منهما يحل إزار صاحبه .

الثانية عشرة : أجمع العلماء على تحريم ما عقد عليه الآباء على الأبناء ، وما عقد عليه الأبناء على الآباء ، كان مع العقد وطء أو لم يكن ؛ لقوله تعالى : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء وقوله تعالى : وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ؛ فإن نكح أحدهما نكاحا فاسدا حرم على الآخر العقد عليها كما يحرم بالصحيح ؛ لأن النكاح الفاسد لا يخلو : إما أن يكون متفقا على فساده أو مختلفا فيه . فإن كان متفقا على فساده لم يوجب حكما وكان وجوده كعدمه . وإن كان مختلفا فيه فيتعلق به من الحرمة ما يتعلق بالصحيح ؛ لاحتمال أن يكون نكاحا فيدخل تحت مطلق اللفظ . والفروج إذا تعارض فيها التحريم والتحليل غلب التحريم . والله أعلم . قال ابن المنذر : أجمع كل من يحفظ عنه من علماء الأمصار على أن الرجل إذا وطئ امرأة بنكاح فاسد أنها تحرم على أبيه وابنه وعلى أجداده وولد ولده . وأجمع العلماء وهي المسألة :

الثالثة عشرة : على أن عقد الشراء على الجارية لا يحرمها على أبيه وابنه ؛ فإذا اشترى الرجل جارية فلمس أو قبل حرمت على أبيه وابنه ، لا أعلمهم يختلفون فيه ؛ فوجب تحريم ذلك تسليما لهم . ولما اختلفوا في تحريمها بالنظر دون اللمس لم يجز ذلك لاختلافهم . قال ابن المنذر : ولا يصح عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلناه .

وقال يعقوب ومحمد : إذا نظر رجل في فرج امرأة من شهوة حرمت على أبيه وابنه ، وتحرم عليه أمها وابنتها . وقال مالك : إذا وطئ الأمة أو قعد منها مقعدا لذلك وإن لم يفض إليها ، أو قبلها أو باشرها أو غمزها تلذذا فلا تحل لابنه . وقال الشافعي : إنما تحرم باللمس ولا تحرم بالنظر دون اللمس ؛ وهو قول الأوزاعي :

الرابعة عشرة : واختلفوا في الوطء بالزنى هل يحرم أم لا ؛ فقال أكثر أهل العلم : لو أصاب رجل امرأة بزنى لم يحرم عليه نكاحها بذلك ؛ وكذلك لا تحرم عليه امرأته إذا زنى بأمها أو بابنتها ، وحسبه أن يقام عليه الحد ، ثم يدخل بامرأته . ومن زنى بامرأة ثم أراد نكاح أمها أو ابنتها لم تحرما عليه بذلك . وقالت طائفة : تحرم عليه . روي هذا القول عن عمران بن حصين ؛ وبه قال الشعبي وعطاء والحسن وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي ، وروي عن مالك ؛ وأن الزنى يحرم الأم والابنة وأنه بمنزلة الحلال ، وهو قول أهل العراق . والصحيح من قول مالك وأهل الحجاز : أن الزنى لا حكم له ؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال : وأمهات نسائكم وليست التي زنى بها من أمهات نسائه ، ولا ابنتها من ربائبه . وهو قول الشافعي وأبي ثور . لأنه لما ارتفع الصداق في الزنى ووجوب العدة والميراث ولحوق الولد ووجوب الحد ارتفع أن يحكم له بحكم النكاح الجائز . وروى الدارقطني من حديث الزهري عن عروة عن عائشة قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل زنى بامرأة فأراد أن يتزوجها أو ابنتها فقال : لا يحرم الحرام الحلال إنما يحرم ما كان بنكاح . ومن الحجة للقول الآخر إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن جريج وقوله : يا غلام من أبوك قال : فلان الراعي . فهذا يدل على أن الزنى يحرم كما يحرم الوطء الحلال ؛ فلا تحل أم المزني بها ولا بناتها لآباء الزاني ولا لأولاده ؛ وهي رواية ابن القاسم في المدونة . ويستدل به أيضا على أن المخلوقة من ماء الزنى لا تحل للزاني بأمها ، وهو المشهور . قال عليه السلام : لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها ولم يفصل بين الحلال والحرام . وقال عليه السلام : لا ينظر الله إلى من كشف قناع امرأة وابنتها . قال ابن خويز منداد : ولهذا قلنا إن القبلة وسائر وجوه الاستمتاع ينشر الحرمة . وقال عبد الملك الماجشون : إنها تحل ؛ وهو الصحيح لقوله تعالى : وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا يعني بالنكاح الصحيح ، على ما يأتي في " الفرقان " بيانه . ووجه التمسك من الحديث على تلك المسألتين أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حكى عن جريج أنه نسب ابن الزنى للزاني ، وصدق الله نسبته بما خرق له من العادة في نطق الصبي بالشهادة له بذلك ؛ وأخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم عن جريج في معرض المدح وإظهار كرامته ؛ فكانت تلك النسبة صحيحة بتصديق الله تعالى وبإخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ؛ فثبتت البنوة وأحكامها .

فإن قيل : فيلزم على هذا أن تجري أحكام البنوة والأبوة من التوارث والولايات وغير ذلك ، وقد اتفق المسلمون على أنه لا توارث بينهما فلم تصح تلك النسبة ؟

فالجواب : إن ذلك موجب ما ذكرناه . وما انعقد عليه الإجماع من الأحكام استثنيناه ، وبقي الباقي على أصل ذلك الدليل ، والله أعلم .

الخامسة عشرة : واختلف العلماء أيضا من هذا الباب في مسألة اللائط ؛ فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم : لا يحرم النكاح باللواط . وقال الثوري : إذا لعب بالصبي حرمت عليه أمه ؛ وهو قول أحمد بن حنبل . قال : إذا تلوط بابن امرأته أو أبيها أو أخيها حرمت عليه امرأته . وقال الأوزاعي : إذا لاط بغلام وولد للمفجور به بنت لم يجز للفاجر أن يتزوجها ؛ لأنها بنت من قد دخل به . وهو قول أحمد بن حنبل .

السادسة عشرة : قوله تعالى : الذين من أصلابكم تخصيص ليخرج عنه كل من كانت العرب تتبناه ممن ليس للصلب . ولما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم امرأة زيد بن حارثة قال المشركون : تزوج امرأة ابنه ! وكان عليه السلام تبناه ؛ على ما يأتي بيانه في " الأحزاب " . وحرمت حليلة الابن من الرضاع وإن لم يكن للصلب - بالإجماع المستند إلى قوله عليه السلام : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب .

السابعة عشرة : قوله تعالى : وأن تجمعوا بين الأختين موضع أن رفع على العطف على حرمت عليكم أمهاتكم . والأختان لفظ يعم الجميع بنكاح وبملك يمين .

وأجمعت الأمة على منع جمعهما في عقد واحد من النكاح لهذه الآية ، وقوله عليه السلام : لا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن . واختلفوا في الأختين بملك اليمين ؛ فذهب كافة العلماء إلى أنه لا يجوز الجمع بينهما بالملك في الوطء ، وإن كان يجوز الجمع بينهما في الملك بإجماع ؛ وكذلك المرأة وابنتها صفقة واحدة . واختلفوا في عقد النكاح على أخت الجارية التي وطئها ؛ فقال الأوزاعي : إذا وطئ جارية له بملك اليمين لم يجز له أن يتزوج أختها . وقال الشافعي : ملك اليمين لا يمنع نكاح الأخت . قال أبو عمر : من جعل عقد النكاح كالشراء أجازه ، ومن جعله كالوطء لم يجزه . وقد أجمعوا على أنه لا يجوز العقد على أخت الزوجة ؛ لقول الله تعالى : وأن تجمعوا بين الأختين يعني الزوجتين بعقد النكاح . فقف على ما اجتمعوا عليه وما اختلفوا فيه يتبين لك الصواب إن شاء الله . والله أعلم .

الثامنة عشرة : شذ أهل الظاهر فقالوا : يجوز الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء ؛ كما يجوز الجمع بينهما في الملك . واحتجوا بما روي عن عثمان في الأختين من ملك اليمين : " حرمتهما آية وأحلتهما آية " . ذكره عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب أن عثمان بن عفان سئل عن الأختين مما ملكت اليمين فقال : لا آمرك ولا أنهاك أحلتهما آية وحرمتهما آية . فخرج السائل فلقي رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال معمر : أحسبه قال علي - قال : وما سألت عنه عثمان ؟ فأخبره بما سأله وبما أفتاه ؛ فقال له : لكني أنهاك ، ولو كان لي عليك سبيل ثم فعلت لجعلتك نكالا . وذكر الطحاوي والدارقطني عن علي وابن عباس مثل قول عثمان . والآية التي أحلتهما قوله تعالى : وأحل لكم ما وراء ذلكم . ولم يلتفت أحد من أئمة الفتوى إلى هذا القول ؛ لأنهم فهموا من تأويل كتاب الله خلافه ، ولا يجوز عليهم تحريف التأويل . وممن قال ذلك من الصحابة : عمر وعلي وابن مسعود وعثمان وابن عباس وعمار وابن عمر وعائشة وابن الزبير ؛ وهؤلاء أهل العلم بكتاب الله ، فمن خالفهم فهو متعسف في التأويل . وذكر ابن المنذر أن إسحاق بن راهويه حرم الجمع بينهما بالوطء ، وأن جمهور أهل العلم كرهوا ذلك ، وجعل مالكا فيمن كرهه . ولا خلاف في جواز جمعهما في الملك ، وكذلك الأم وابنتها . قال ابن عطية : ويجيء من قول إسحاق أن يرجم الجامع بينهما بالوطء ، وتستقرأ الكراهية من قول مالك : إنه إذا وطئ واحدة ثم وطئ الأخرى وقف عنهما حتى يحرم إحداهما ؛ فلم يلزمه حدا . قال أبو عمر : ( أما قول علي لجعلته نكالا ) ولم يقل لحددته حد الزاني ؛ فلأن من تأول آية أو سنة ولم يطأ عند نفسه حراما فليس بزان بإجماع وإن كان مخطئا ، إلا أن يدعي من ذلك ما لا يعذر بجهله . وقول بعض السلف في الجمع بين الأختين بملك اليمين : ( أحلتهما آية وحرمتهما آية ) معلوم محفوظ ؛ فكيف يحد حد الزاني من فعل ما فيه مثل هذا من الشبهة القوية ؟ وبالله التوفيق .

التاسعة عشرة : واختلف العلماء إذا كان يطأ واحدة ثم أراد أن يطأ الأخرى ؛ فقال علي وابن عمر والحسن البصري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق : لا يجوز له وطء الثانية حتى يحرم فرج الأخرى بإخراجها من ملكه ببيع أو عتق ، أو بأن يزوجها . قال ابن المنذر : وفيه قول ثان لقتادة ، وهو أنه إذا كان يطأ واحدة وأراد وطء الأخرى فإنه ينوي تحريم الأولى على نفسه وألا يقربها ، ثم يمسك عنهما حتى يستبرئ الأولى المحرمة ، ثم يغشى الثانية . وفيه قول ثالث : وهو إذا كان عنده أختان فلا يقرب واحدة منهما . هكذا قال الحكم وحماد ؛ وروي معنى ذلك عن النخعي . ومذهب مالك : إذا كان أختان عند رجل بملك فله أن يطأ أيتهما شاء ، والكف عن الأخرى موكول إلى أمانته . فإن أراد وطء الأخرى فيلزمه أن يحرم على نفسه فرج الأولى بفعل يفعله من إخراج عن الملك : إما بتزويج أو بيع أو عتق إلى أجل أو كتابة أو إخدام طويل . فإن كان يطأ إحداهما ثم وثب على الأخرى دون أن يحرم الأولى وقف عنهما ، ولم يجز له قرب إحداهما حتى يحرم الأخرى ؛ ولم يوكل ذلك إلى أمانته ؛ لأنه متهم فيمن قد وطئ ؛ ولم يكن قبل متهما إذ كان لم يطأ إلا الواحدة . ومذهب الكوفيين في هذا الباب : الثوري وأبي حنيفة وأصحابه أنه إن وطئ إحدى أمتيه لم يطأ الأخرى ؛ فإن باع الأولى أو زوجها ثم رجعت إليه أمسك عن الأخرى ؛ وله أن يطأها ما دامت أختها في العدة من طلاق أو وفاة . فأما بعد انقضاء العدة فلا ، حتى يملك فرج التي يطأ غيره ؛ وروي معنى ذلك عن علي رضي الله عنه . قالوا : لأن الملك الذي منع وطء الجارية في الابتداء موجود ، فلا فرق بين عودتها إليه وبين بقائها في ملكه . وقول مالك حسن ؛ لأنه تحريم صحيح في الحال ولا يلزم مراعاة المال ؛ وحسبه إذا حرم فرجها عليه ببيع أو بتزويج أنها حرمت عليه في الحال . ولم يختلفوا في العتق ؛ لأنه لا يتصرف فيه بحال ؛ وأما المكاتبة فقد تعجز فترجع إلى ملكه . فإن كان عند رجل أمة يطؤها ثم تزوج أختها ففيها في المذهب ثلاثة أقوال في النكاح . الثالث : في المدونة أنه يوقف عنهما إذا وقع عقد النكاح حتى يحرم إحداهما مع كراهية لهذا النكاح ؛ إذ هو عقد في موضع لا يجوز فيه الوطء . وفي هذا ما يدل على أن ملك اليمين لا يمنع النكاح ؛ كما تقدم عن الشافعي . وفي الباب بعينه قول آخر : أن النكاح لا ينعقد ؛ وهو معنى قول الأوزاعي . وقال أشهب في كتاب الاستبراء : عقد النكاح في الواحدة تحريم لفرج المملوكة .

الموفية عشرين : وأجمع العلماء على أن الرجل إذا طلق زوجته طلاقا يملك رجعتها أنه ليس له أن ينكح أختها أو أربعا سواها حتى تنقضي عدة المطلقة . واختلفوا إذا طلقها طلاقا لا يملك رجعتها ؛ فقالت طائفة : ليس له أن ينكح أختها ولا رابعة حتى تنقضي عدة التي طلق ؛ وروي عن علي وزيد بن ثابت ، وهو مذهب مجاهد وعطاء بن أبي رباح والنخعي ، وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وأصحاب الرأي . وقالت طائفة : له أن ينكح أختها وأربعا سواها ؛ وروي عن عطاء ، وهي أثبت الروايتين عنه ، وروي عن زيد بن ثابت أيضا ؛ وبه قال سعيد بن المسيب والحسن والقاسم وعروة بن الزبير وابن أبي ليلى والشافعي وأبو ثور وأبو عبيد . قال ابن المنذر : ولا أحسبه إلا قول مالك وبه نقول .

الحادية والعشرون : قوله تعالى : إلا ما قد سلف يحتمل أن يكون معناه معنى قوله : إلا ما قد سلف في قوله : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف . ويحتمل معنى زائدا وهو جواز ما سلف ، وأنه إذا جرى الجمع في الجاهلية كان النكاح صحيحا ، وإذا جرى في الإسلام خير بين الأختين ؛ على ما قاله مالك والشافعي ، من غير إجراء عقود الكفار على موجب الإسلام ومقتضى الشرع ؛ وسواء عقد عليهما عقدا واحدا جمع به بينهما أو جمع بينهما في عقدين . وأبو حنيفة يبطل نكاحهما إن جمع في عقد واحد . وروى هشام بن عبد الله عن محمد بن الحسن أنه قال : كان أهل الجاهلية يعرفون هذه المحرمات كلها التي ذكرت في هذه الآية إلا اثنتين ؛ إحداهما نكاح امرأة الأب ، والثانية ، الجمع بين الأختين ؛ ألا ترى أنه قال : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف . وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف ولم يذكر في سائر المحرمات إلا ما قد سلف . والله أعلم .

تفسير الطبري

القول في تأويل قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (23)

قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: حُرّم عليكم نكاح أمهاتكم = فترك ذكر " النكاح "، اكتفاءً بدلالة الكلام عليه.

وكان ابن عباس يقول في ذلك ما:-

8944 - حدثنا به أبو كريب قال، حدثنا ابن أبي زائدة، عن الثوري، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: حُرّم من النسب سبعٌ، ومن الصِّهر سبعٌ. ثم قرأ: " حُرّمت عليكم أمهاتكم " حتى بلغ: " وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف "، قال: والسابعة: وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ .

8945 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: يحرم من النسب سبع، ومن الصهر سبع. ثم قرأ: " حُرّمت عليكم أمهاتكم " إلى قوله: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ .

8946 - حدثنا ابن بشار مرة أخرى قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى ابن عباس، عن ابن عباس مثله. (38)

8947 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري بنحوه.

8948 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: حرم عليكم سبع نَسَبًا، وسبعٌ صهرًا." حُرّمت عليكم أمهاتكم " الآية. (39)

8949 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن علي بن صالح، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: " حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم " قال: حَرّم الله من النسب سبعًا ومن الصهر سبعًا. ثم قرأ: " وأمهات نسائكم وربائبكم "، الآية.

8950 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مطرِّف، عن عمرو بن سالم مولى الأنصار قال، حُرّم من النسب سبع، ومن الصهر سبع: " حُرِّمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت " = ومن الصهر: " أمهاتكم اللاتي أرضَعْنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم &; 8-143 &; وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جُناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف " = ثم قال: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ = وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ . (40)

* * *

قال أبو جعفر: فكل هؤلاء اللواتي سَمَّاهن الله تعالى وبيَّن تحريمَهن في هذه الآية، مُحَرَّمات، غيرُ جائز نكاحُهن لمن حَرَّم الله ذلك عليه من الرجال، بإجماع جميع الأمة، لا اختلاف بينهم في ذلك: إلا في أمهات نسائِنا اللواتي لم يدخُلْ بهن أزواجُهن، فإن في نكاحهن اختلافًا بين بعض المتقدِّمين من الصحابة: إذا بانت الابنة قبلَ الدخول بها من زوجها، هل هُنّ من المُبْهمات، أم هنّ من المشروط فيهن الدخول ببناتهنّ؟

فقال جميع أهل العلم متقدمهم ومتأخرهم: من المُبهمات، (41) وحرام على من &; 8-144 &; تزوَّج امرأةً أمُّها، (42) دخل بامرأته التي نكحها أو لم يدخل بها. وقالوا: شرطُ الدخول في الرَّبيبة دون الأم، فأما أمُّ المرأة فمُطْلقة بالتحريم. قالوا: ولو جاز أن يكون شرطُ الدخول في قوله: " وربائبكم اللاتي في حُجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن "، يرجع موصولا به قوله: " وأمهات نسائكم "، (43) جاز أن يكون الاستثناء في قوله: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ من جميع المحرّمات بقوله: " حرّمت عليكم "، الآية. قالوا: وفي إجماع الجميع على أنّ الاستثناء في ذلك إنما هو مما وَلِيَه من قوله: وَالْمُحْصَنَاتُ ، أبينُ الدِّلالة على أن الشرط في قوله: " من نسائكم اللاتي دخلتم بهن "، مما وَليه من قوله: " وربائبكم اللاتي في حجوركم من نِسَائكم اللاتي دخلتم بهن "، دون أمَّهات نسائنا.

* * *

وروي عن بعض المتقدِّمين أنه كان يقول: حلالٌ نكاح أمَّهات نسائنا اللواتي لم ندخل بهن، وأنّ حكمهن في ذلك حكم الربائب.

*ذكر من قال ذلك:

8951 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي وعبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن علي رضي الله عنه: في رجل &; 8-145 &; تزوّج امرأة فطلّقها قبل أن يدخل بها، أيتزوَّج أمها؟ قال: هي بمنـزلة الربيبة.

8952 - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد قال، حدثنا قتادة، عن خلاس، عن علي رضي الله عنه قال: هي بمنـزلة الربيبة. (44)

8953 - حدثنا حميد قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد قال، حدثنا قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن زيد بن ثابت: أنه كان يقول: إذا ماتت عنده وأخذَ ميراثها، كُرِه أن يخلُف على أمِّها. وإذا طلَّقها قبل أن يدخُل بها، فإن شاءَ فعل.

8954 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن زيد بن ثابت قال: إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخُل بها، فلا بأس أن يتزوج أمَّها.

8955 - حدثنا القاسم قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، أخبرني عكرمة بن خالد: أن مجاهدًا قال له: " وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم "، أريد بهما الدُّخُول جميعًا. (45)

* * *

قال أبو جعفر: والقول الأول أولى بالصواب، أعني قولَ من قال: " الأمّ من المبهمات ". لأن الله لم يشرط معهن الدخول ببناتهن، كما شرط ذلك مع &; 8-146 &; أمهات الرَّبائب، مع أن ذلك أيضًا إجماعٌ من الحجة التي لا يجوز خِلافُها فيما جاءت به متفقة عليه. وقد روي بذلك أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم خبرٌ، غيرَ أنَّ في إسناده نظرًا، وهو ما:-

8956 - حدثنا به المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرنا المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا نكح الرجلُ المرأة، فلا يحل له أن يتزوج أمَّها، دخل بالابنة أم لم يدخل. وإذا تزوج الأمَّ فلم يدخل بها ثم طلقها، فإن شاء تزوَّج الابنة. (46)

* * *

قال أبو جعفر: وهذا خبر، وإن كان في إسناده ما فيه، فان في إجماع الحجة على صحة القول به، مستغنًى عن الاستشهاد على صِحَّته بغيره.

8957 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال لعطاء: الرجل ينكح المرأة لم يَرَها ولم يجامعها حتى يطلقها، (47) &; 8-147 &; أيحل له أمها؟ قال: لا هي مُرسلة. قلت لعطاء: أكان ابن عباس يقرأ: " وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن "؟ قال: " لا "، تترى = (48) قال حجاج، قلت لابن جريج: ما " تترى " = (49) ؟ قال: كأنه قال: لا! لا! (50)

* * *

وأما " الربائب " فإنه جمع " ربيبة "، وهي ابنة امرأة الرجل. قيل لها " ربيبة " لتربيته إياها، وإنما هي" مربوبة " صرفت إلى " ربيبة "، كما يقال: " هي قتيلة " من " مقتولة ". (51) وقد يقال لزوج المرأة: " هو ربيب ابن امرأته "، يعني به: " هو رَابُّه "، كما يقال: " هو خابر، وخبير " و " شاهد، وشهيد ". (52)

* * *

واختلف أهل التأويل في معنى قوله: " من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ".

فقال بعضهم: معنى " الدخول " في هذا الموضع، الجماعُ.

*ذكر من قال ذلك:

8958 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية &; 8-148 &; بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " من نسائكم اللاتي دخلتم بهن "، والدخول النكاح.

* * *

وقال آخرون: " الدخول " في هذا الموضع: هو التَّجريد.

*ذكر من قال ذلك:

8959 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قلت لعطاء: قوله: " اللاتي دخلتم بهن "، ما " الدّخول بهن "؟ قال: أن تُهْدَى إليه فيكشف ويَعْتسَّ، ويجلس بين رجليها. (53) قلت: أرأيت إن فعل ذلك في بيتِ أهلها؟ قال: هو سواءٌ، وَحسْبُه! قد حرَّم ذلك عليه ابنتَها. قلت: تحرم الربيبة مِمَّن يصنع هذا بأمها؟ ألا يحرُم عليَّ من أمَتي إن صنعته بأمها؟ (54) قال: نعم، سواء. قال عطاء: إذا كشف الرجل أَمته وجلس بين رجليها، أنهاه عن أمِّها وابنتها.

* * *

قال أبو جعفر: وأولى القولين عندي بالصواب في تأويل ذلك، ما قاله ابن عباس، من أنّ معنى: " الدخول " الجماع والنكاح. لأن ذلك لا يخلو معناه من أحد أمرين: إما أن يكون على الظاهر المتعارَف من معاني" الدخول " في الناس، وهو الوصول إليها بالخلوة بها = أو يكون بمعنى الجماع. وفي إجماع الجميع على أن خلوة الرجل بامرأته لا يحرِّم عليه ابنتها إذا طلِّقها قبل مَسِيسها ومُباشرتها، أو قبل النَّظر إلى فرجها بالشهوة، ما يدلُّ على أن معنى ذلك هو الوصول إليها بالجماع.

وإذْ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الصحيح من التأويل في ذلك ما قلناه.

* * *

وأما قوله: " فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم "، فإنه يقول: فإن لم تكونوا، أيها الناس، دخلتم بأمهات ربائبكم اللاتي في حجوركم فجامعتموهن حتى طلقتموهن =" فلا جناح عليكم "، يقول: فلا حرج عليكم في نكاح من كان من ربائبكم كذلك. (55)

* * *

وأما قوله: " وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم "، فإنه يعني: وأزواج أبنائكم الذين من أصلابكم.

* * *

وهي جمع " حليلة " وهي امرأته. وقيل: سميت امرأة الرجل " حليلته "، لأنها تحلُّ معه في فراش واحد.

* * *

ولا خلاف بين جميع أهل العلم أن حليلة ابن الرجل، حرامٌ عليه نكاحها بعقد ابنه عليها النكاح، دخل بها أو لم يدخل بها.

* * *

فإن قال قائل: فما أنت قائلٌ في حلائل الأبناء من الرضاع، فإن الله تعالى إنما حرم حلائل أبنائِنا من أصلابنا؟

قيل: إن حلائل الأبناء من الرضاع، وحلائل الأبناء من الأصلاب، سواء في التحريم. وإنما قال: " وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم "، لأن معناه: وحلائل أبنائكم الذين ولدتموهم، دون حلائل أبنائكم الذين تبنيتموهم، كما:-

8960 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: قوله: " وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم "، &; 8-150 &; قال: كنا نُحدَّث، (56) والله أعلم، أنها نـزلت في محمد صلى الله عليه وسلم. حين نكح امرأة زَيْد بن حارثة، قال المشركون في ذلك، فنـزلت: " وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم "، ونـزلت: وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ [سورة الأحزاب: 4]، ونـزلت: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ [سورة الأحزاب: 40]

* * *

وأما قوله: " وأن تجمعوا بين الأختين " فإن معناه: وحرم عليكم أن تجمعوا بين الأختين عندكم بنكاح = ف " أن " في موضع رفع، كأنه قيل: والجمع بين الأختين. (57)

* * *

=" إلا ما قد سلف " لكن ما قد مضى منكم (58) =" إن الله كان غفورًا " (59) لذنوب عباده إذا تابوا إليه منها =" رحيما " بهم فيما كلَّفهم من الفرائض، وخفَّف عنهم فلم يحمِّلهم فوق طاقتهم.

يخبر بذلك جل ثناؤه: أنه غفور لمن كان جمع بين الأختين بنكاح في جاهليته، وقبلَ تحريمه ذلك، إذا اتقى الله تبارك وتعالى بعدَ تحريمه ذلك عليه، فأطاعه باجتنابه = رحيمٌ به وبغيره من أهل طاعته من خَلْقِه.

* * *

---------------

الهوامش :

(38) الآثار: 8944 - 8946 -"إسماعيل بن رجاء بن ربيعة الزبيدي" ، روى له مسلم والأربعة. ثقة ، كان يجمع صبيان المكاتب ويحدثهم لكي لا ينسى حديثه!

و"عمير مولى ابن عباس" هو: عمير بن عبد الله الهلالي ، مولى أم الفضل. ثقة.

وروى خبر ابن عباس ، الحاكم في المستدرك 2: 304 من طريق: محمد بن كثير ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن إسماعيل بن رجاء ، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي. وأشار إليه الحافظ في الفتح 5: 133 ، ونسبه للطبراني. وابن كثير في التفسير 2: 390.

(39) الأثر: 8948 - رواه بهذا الإسناد البخاري في صحيحه (الفتح 5: 132) بغير هذا اللفظ ، ورواه بلفظه البيهقي في السنن الكبرى 7: 158 ، ولفظ البخاري: "حرم من النسب سبع ، ومن الصهر سبع" كالخبر السالف ، وانظر تفسير ابن كثير 2: 390.

(40) الأثر: 8950 -"عمرو بن سالم" ، هو : "أبو عثمان الأنصاري" قاضي مرو ، مختلف فيه وفي اسم أبيه اختلاف كثير. وقيل: "اسمه كنيته" ، وهو مشهور بكنيته ، ولكن الطبري جاء به غير مكنى باسمه واسم أبيه.

(41) "المبهمات" هن من المحرمات: ما لا يحل بوجه ولا سبب كتحريم الأم والأخت وما أشبهه. وقال القرطبي في تفسيره (5: 107): "وتحريم الأمهات عام في كل حال ، لا يتخصص بوجه من الوجوه ، ولهذا يسميه أهل العلم: (المبهم) ، أي لا باب فيه ولا طريق إليه ، لانسداد التحريم وقوته". وسأسوق لك ما قاله الأزهري في تفسيرها قال: "رأيت كثيرًا من أهل العلم يذهبون بهذا إلى إبهام الأمر واستبهامه ، وهو إشكاله = وهو غلط. قال: وكثير من ذوي المعرفة لا يميزون بين المبهم وغير المبهم من ألوان الخيل الذي لا شية فيه تخالف معظم لونه.

قال: ولما سئل ابن عباس عن قوله: "وأمهات نسائكم" ولم يبين الله الدخول بهن ، أجاب فقال: هذا من مبهم التحريم ، الذي لا وجه فيه غير التحريم ، سواء دخلتم بالنساء أو لم تدخلوا بهن. فأمهات نسائكم حرمن عليكم من جميع الجهات.

وأما قوله: "وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن" ، فالربائب ههنا لسن من المبهمات ، لأن لهن وجهين مبينين: أحللن في أحدهما ، وحرمن في الآخر. فإذا دخل بأمهات الربائب حرمت الربائب ، وإن لم يدخل بأمهات الربائب لم يحرمن"

فهذا تفسير"المبهم" الذي أراده ابن عباس فافهمه".

وعقب على هذا ابن الأثير فقال: "هذا التفسير من الأزهري ، إنما هو للربائب والأمهات ، لا الحلائل ، وهو في أول الحديث إنما جعل سؤال ابن عباس عن الحلائل لا عن الربائب" ، وهو تعقيب غير جيد.

ثم انظر"الإنصاف" للبطليوسي: 28 ، 29.

(42) يعني: والذي تزوج امرأة فحرام عليه أمها.

(43) في المخطوطة: "موضع موصولا به" ، ولا معنى لها ، وفي المطبوعة: "فوضع موصولا به" ولا معنى لها أيضًا ، واستظهرت صحتها"يرجع موصولا به" ، أي أن الشرط راجع إلى أمهات النساء والربائب جميعًا.

(44) الأثران: 8951 ، 8952 -"خلاس بن عمرو الهجري" ثقة ، تكلموا في سماعه من علي ، وأن حديثه عنه من صحيفة كانت عنده ، ونص البخاري على ذلك في التاريخ الكبير 2 / 1 / 208. فمن أجل ذلك قال القرطبي في هذا الأثر: "وحديث خلاس عن علي لا تقوم به حجة ، ولا تصح روايته عند أهل العلم بالحديث ، والصحيح عنه مثل قول الجماعة".

(45) الأثر: 8955 -"عكرمة بن خالد بن العاص بن هشام المخزومي" ، روى عن أبيه وأبي هريرة وابن عباس وابن عمر وغيرهم. وهو ثقة. وقال بعضهم: "منكر الحديث" وإنما خلط بينه وبين"عكرمة بن خالد بن سلمة بن العاص بن هشام المخزومي" ، وهما مختلفان.

وانظر ما قاله ابن كثير في هذا الباب من تفسيره 2: 392-394 ، وذكر هذه الآثار.

(46) الحديث: 8956 - المثنى بن الصباح الأبناوي المكي: مضت له ترجمة في: 4611. ونزيد هنا أنا نرى أن حديثه حسن ، لأنه اختلط أخيرًا ، كما فصلنا في شرح المسند ، في الحديث: 6893.

ومن أجل الكلام فيه ذهب الطبري إلى أن في إسناد هذا الحديث نظرًا.

وقد رواه البيهقي أيضًا في السنن الكبرى 7: 160 ، من طريق ابن المبارك ، عن المثنى بن الصباح. ثم قال البيهقي: "مثنى بن الصباح: غير قوي".

ولكن المثنى لم ينفرد بروايته. فقد رواه البيهقي أيضًا - عقب رواية المثنى - من طريق ابن لهيعة ، عن عمر بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بنحوه ، فهذه متابعة قوية للمثنى ، ترفع ما قد يظن من خطئه في روايته. والحديث نقله ابن كثير عن رواية الطبري هذه 2: 394 ، ضمن ما نقله من كلام الطبري في هذا الموضع.

وذكره السيوطي 2: 135 وزاد نسبته لعبد الرزاق ، وعبد بن حميد. ونص على أن البيهقي رواه من طريقين وهما اللتان ذكرناهما.

(47) في المخطوطة والمطبوعة: "لم يرها ولا يجامعها حتى يطلقها" ، وأثبت ما في الدر المنثور 2: 135 ، فهو أجود ، وقد مضى في الأثر رقم: 8941 ، "ثم لا يراها حتى يطلقها" ، وانظر تخريج الأثر.

(48) في المطبوعة: "لا تبرأ" ، ثم في الذي يليه"ما تبرأ" ، وهو خطأ ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، وفيها: "تترى" غير منقوطة. وصواب قراءتها ما أثبت. وقوله: "تترى" ، أي: متتابعة ، واحدة بعد واحدة ، وقد جاء السؤال عن"تترى" أيضًا في حديث رواه ابن سعد 2 / 2 / 131 ، عن قباث بن أشيم الليثي ، وجاء تفسيرها فيه"متفرقين".

(49) في المطبوعة: "لا تبرأ" ، ثم في الذي يليه"ما تبرأ" ، وهو خطأ ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، وفيها: "تترى" غير منقوطة. وصواب قراءتها ما أثبت. وقوله: "تترى" ، أي: متتابعة ، واحدة بعد واحدة ، وقد جاء السؤال عن"تترى" أيضًا في حديث رواه ابن سعد 2 / 2 / 131 ، عن قباث بن أشيم الليثي ، وجاء تفسيرها فيه"متفرقين".

(50) الأثر: 8597 - مضى هذا الأثر مختصرًا بإسناده ، وبغير هذا اللفظ فيما سلف قريبًا رقم: 8941 ، وانظر التعليق عليه هناك.

(51) في المطبوعة والمخطوطة: "قبيلة من مقبولة" بالباء الموحدة ، وليس صوابا ، بل الصواب ما أثبت ، ولعل الناسخ كتب ما كتب ، لأنهم قالوا: "رجل قتيل ، وامرأة قتيل" ، فهذا هو المشهور ، ولكنه أغفل أنهم إذا تركوا ذكر المرأة قالوا: "هذه قتيلة بني فلان" وقالوا: "مررت بقتيلة" ، ولم يقولوا في هذا"مررت بقتيل".

(52) في المطبوعة: "جابر وجبير" بالجيم ، وفي المخطوطة ، أهمل نقط الأولى ، ونقط الثانية جيما ، وهو خطأ ، ليس في العربية شيء من ذلك ، بل الصواب ما أثبت و"الخابر والخبير": العالم بالخبر.

(53) في المطبوعة: "يعس" ، وفي المخطوطة"يعيس" ، وصواب قراءتها ما أثبت. يقال: "اعتس الشيء" ، لمسه ورازه ليعرف خبره. وهو من الألفاظ التي لم تبين معناها كتب اللغة ، ولكن معناها مفرق في أثناء كلامها.

(54) في المطبوعة والمخطوطة: "ألا ما يحرم علي من أمتي" ، وهو غير مستقيم ، وكأن الصواب المحض ما أثبته.

(55) انظر تفسير"الجناح" فيما سلف 3: 230 ، 231 / 4: 162 ، 566 / 5: 70 ، 117 ، 138.

(56) في المخطوطة والمطبوعة: "كنا نتحدث" ، وهو خطأ ، والصواب ما أثبت ، لأن عطاء يروي ما سمعه من أهل العلم من شيوخه. وانظر ابن كثير 2: 396.

(57) انظر معاني القرآن للفراء 1: 260.

(58) انظر تفسير"إلا" ، وتفسير"سلف" فيما سلف قريبًا: 137 ، 138 ، تعليق: 50.

(59) في المخطوطة والمطبوعة: "فإن الله" ، فأثبتها على منهجه في التفسير ، بذكر نص الآية.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق