تفسير ابن كثير

وقوله : ( خالدين فيها ) أي : مقيمين ، لا يظعنون ولا يحولون ولا يموتون ، ولا يزولون عنها ولا يبغون عنها حولا كما قال تعالى : ( وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ ) [ هود : 108 ] .

وقوله ( حسنت مستقرا ومقاما ) أي : حسنت منظرا وطابت مقيلا ومنزلا .

تفسير السعدي

تفسير الايتين 75 و76

لما كانت هممهم ومطالبهم عالية كان الجزاء من جنس العمل فجازاهم بالمنازل العاليات فقال: { أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا } أي: المنازل الرفيعة والمساكن الأنيقة الجامعة لكل ما يشتهى وتلذه الأعين وذلك بسبب صبرهم نالوا ما نالوا كما قال تعالى: { وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ } ولهذا قال هنا { وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا } من ربهم ومن ملائكته الكرام ومن بعض على بعض ويسلمون من جميع المنغصات والمكدرات.

والحاصل: أن الله وصفهم بالوقار والسكينة والتواضع له ولعباده وحسن الأدب والحلم وسعة الخلق والعفو عن الجاهلين والإعراض عنهم ومقابلة إساءتهم بالإحسان وقيام الليل والإخلاص فيه، والخوف من النار والتضرع لربهم أن ينجيهم منها وإخراج الواجب والمستحب في النفقات والاقتصاد في ذلك - وإذا كانوا مقتصدين في الإنفاق الذي جرت العادة بالتفريط فيه أو الإفراط، فاقتصادهم وتوسطهم في غيره من باب أولى- والسلامة من كبائر الذنوب والاتصاف بالإخلاص لله في عبادته والعفة عن الدماء والأعراض والتوبة عند صدور شيء من ذلك، وأنهم لا يحضرون مجالس المنكر والفسوق القولية والفعلية ولا يفعلونها بأنفسهم وأنهم يتنزهون من اللغو والأفعال الردية التي لا خير فيها، وذلك يستلزم مروءتهم وإنسانيتهم وكمالهم ورفعة أنفسهم عن كل خسيس قولي وفعلي، وأنهم يقابلون آيات الله بالقبول لها والتفهم لمعانيها والعمل بها، والاجتهاد في تنفيذ أحكامها، وأنهم يدعون الله تعالى بأكمل الدعاء، في الدعاء الذي ينتفعون به، وينتفع به من يتعلق بهم وينتفع به المسلمون من صلاح أزواجهم وذريتهم، ومن لوازم ذلك سعيهم في تعليمهم ووعظهم ونصحهم لأن من حرص على شيء ودعا الله فيه لا بد أن يكون متسببا فيه، وأنهم دعوا الله ببلوغ أعلى الدرجات الممكنة لهم وهي درجة الإمامة والصديقية.

فلله ما أعلى هذه الصفات وأرفع هذه الهمم وأجل هذه المطالب، وأزكى تلك النفوس وأطهر تلك القلوب وأصفى هؤلاء الصفوة وأتقى هؤلاء السادة"

ولله، فضل الله عليهم ونعمته ورحمته التي جللتهم، ولطفه الذي أوصلهم إلى هذه المنازل.

ولله، منة الله على عباده أن بين لهم أوصافهم، ونعت لهم هيئاتهم وبين لهم هممهم، وأوضح لهم أجورهم، ليشتاقوا إلى الاتصاف بأوصافهم، ويبذلوا جهدهم في ذلك، ويسألوا الذي من عليهم وأكرمهم الذي فضله في كل زمان ومكان، وفي كل وقت وأوان، أن يهديهم كما هداهم ويتولاهم بتربيته الخاصة كما تولاهم.

فاللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وبك المستغاث، ولا حول ولا قوة إلا بك، لا نملك لأنفسنا نفعا ولا ضرا ولا نقدر على مثقال ذرة من الخير إن لم تيسر ذلك لنا، فإنا ضعفاء عاجزون من كل وجه.

نشهد أنك إن وكلتنا إلى أنفسنا طرفة عين وكلتنا إلى ضعف وعجز وخطيئة، فلا نثق يا ربنا إلا برحمتك التي بها خلقتنا ورزقتنا وأنعمت علينا بما أنعمت من النعم الظاهرة والباطنة وصرفت عنا من النقم، فارحمنا رحمة تغنينا بها عن رحمة من سواك فلا خاب من سألك ورجاك.

ولما كان الله تعالى قد أضاف هؤلاء العباد إلى رحمته واختصهم بعبوديته لشرفهم وفضلهم ربما توهم متوهم أنه وأيضا غيرهم فلم لا يدخل في العبودية؟

تفسير القرطبي

" خالدين " نصب على الحال فيها حسنت مستقرا ومقاما

تفسير الطبري

يقول تعالى ذكره: أولئك يجزون الغرفة بما صبروا, خالدين في الغرفة, يعني أنهم ماكثون فيها, لابثون إلى غير أمد, حسنت تلك الغرفة قرارا لهم ومقاما. يقول: وإقامة. وقوله: ( قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي ) يقول جلّ ثناؤه لنبيه: قل يا محمد لهؤلاء الذين أرسلت إليهم: أيّ شيء يَعُدّكم, وأيّ شيء يصنع بكم ربي؟ يقال منه: عبأت به أعبأ عبئا, وعبأت الطيب أعبؤه: إذا هيأته, كما قال الشاعر:

كــــأنَّ بِنَحْـــرِهِ وبمَنْكَبَيْـــهِ

عَبِــيرًا بــاتَ يَعْبَــؤُهُ عَـرُوسُ (7)

يقول: يهيئه ويعمله يعبؤُه عبا وعبوءا, ومنه قولهم: عَبَّأت الجيش بالتشديد والتخفيف فأنا أعبئه: أُهَيِّئُهُ والعبءُ: الثقل.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

---------------------------

الهوامش :

(7) البيت لأبي زبيد الطائي يصف أسدًا (اللسان : عبأ) . قال : عبأ الطيب يعبؤه عبئًا : صنعه وخلطه ، قال أبو زبيد يصف أسدًا : " كأن بنحره ... " البيت . ويروى : " بات يخبؤه " . وقال الفراء في معاني القرآن : وقوله : { ما يعبأ بكم ربي } : استفهام ، أي ما يصنع بكم لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام ؟ وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن ( ص 170) : ومنه قوله ؛ ما عبأت بك شيئًا : أي ما عددتك شيئًا . ا هـ .

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق